جلال الدين السيوطي

30

حسن السمت في الصمت

ثم إنه تعالى قال بعد أن عد الأنبياء الكرام المذكورين : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ . . . } , فدل ذلك على أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم ، وأمره صلى الله عليه وسلم بذلك أمر لنا لأن أمر القدوة أمر لاتباعه كما بينا إيضاحه بالأدلة القرآنية في هذا الكتاب المبارك في سورة " المائدة " , وقد قدمنا هناك : أنه ثبت في صحيح البخاري : أن مجاهدًا سأل ابن عباس : من أين أخذت السجدة في " ص " قال : أو ما تقرأ { . . . وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ . . . } { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ . . . } فسجدها داود فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم , فإذا علمت بذلك أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم في سورة " الأنعام " ، وعلمت أن أمره أمر لنا لأن لنا فيه الأسوة الحسنة ، وعلمت أن هارون كان موفرًا شعر لحيته بدليل قوله لأخيه : { . . . لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي . . . } لأنه لو كان حالقاً لما أراد أخوه الأخذ بلحيته - تبين لك من ذلك بإيضاح : أن إعفاء اللحية من السمت الذي أُمرنا به في القرآن العظيم ، وأنه كان سمت الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم , والعجب من الذين مضخت ضمائرهم ، واضمحل ذوقهم ، حتى صاروا يفرون من صفات الذكورية وشرف الرجولة ، إلى خنوثة الأنوثة ، ويمثلون بوجوههم بحلق أذقانهم ، ويتشبهون بالنساء حيث يحاولون القضاء على أعظم الفوارق الحسية بين الذكر والأنثى وهو اللحية , وقد كان صلى الله عليه وسلم كثيف اللحية ، وهو أجمل الخلق وأحسنهم صورة , والرجال الذين أخذوا كنوز كسرى وقيصر ، ودانت لهم مشارق الأرض ومغاربها : ليس فيهم حالق .